الوقت - في أعقاب أنباء زيارة وفد من المدعين العامين والخبراء من المحكمة الجنائية الدولية إلى إيران للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في ميناب ومناقشتها، اتخذت الحكومة الأمريكية موقفًا شديد اللهجة ضد المحكمة.
ووفقًا للتقارير، أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية ووزير الخارجية ماركو روبيو حملة جديدة للضغط على المحكمة الجنائية الدولية. وأعلن روبيو في مقال نُشر في صحيفة وول ستريت جورنال، ثم في بيانات رسمية، أن الحكومة الأمريكية تعتزم "تعطيل" قدرة المحكمة على العمل بشكل منهجي. وأكد أن الولايات المتحدة ستستخدم أدوات مثل: فرض عقوبات على القضاة وموظفي المحكمة؛ وإلغاء أو تقييد إصدار التأشيرات؛ إن ممارسة الضغوط الدبلوماسية على الدول المتعاونة مع المحكمة الجنائية الدولية، وحث حلفاء الولايات المتحدة على تقليص تعاونهم معها، سيُستخدم لتشويه سمعة المحكمة.
من وجهة نظر واشنطن، فإن تعاون المحكمة مع إيران قد يؤدي إلى جمع وثائق وأدلة يمكن أن تُشكّل لاحقًا أساسًا للتحقيقات أو المحاكمات ضد مسؤولين صهاينة، أو حتى أمريكيين، كما أن احتمال اتهام قادة الولايات المتحدة والنظام الصهيوني بارتكاب جرائم حرب وارد.
في هذا السياق، هدد ماركو روبيو المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها وموظفيها بفرض عقوبات، وإلغاء التأشيرات، ومزيد من الضغوط. وقد أفادت رويترز بأن هذه التهديدات جزء من سياسة أوسع نطاقًا تتبعها الحكومة الأمريكية لمواجهة أنشطة المحكمة الجنائية الدولية ووقف عملها.
جريمة أمريكية في ميناب
كان الهجوم على مدرسة "الشجرة الطيبة" في ميناب أحد أشد الهجمات الأمريكية دمويةً خلال العدوان على إيران أواخر عام 1405 هـ (2026 م). ووفقًا للتقارير المنشورة، وقع هذا الهجوم صباح يوم 28 فبراير 2026، أول أيام الحرب. استُهدفت مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية في ميناب، بمحافظة هرمزجان، بعدة صواريخ، ما أدى إلى انهيار أجزاء من المبنى واستشهاد أكثر من 160 طالبًا.
في الأيام الأولى، نفى المسؤولون الأمريكيون مسؤوليتهم عن الهجوم، وصرح دونالد ترامب أيضًا بأنه لا يملك أي دليل على إطلاق الولايات المتحدة للصواريخ، ولكن بعد أيام قليلة، أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن المدرسة كانت مستهدفة.
مع ذلك، لم ينشر البنتاغون حتى الآن تقريرًا نهائيًا ورسميًا عن التحقيق، والتزم الصمت حيال تفاصيل القضية.
في الوقت نفسه، أصبح الهجوم على مدرسة ميناب من أهم القضايا المتعلقة بالخسائر المدنية خلال الحرب، نظرًا لارتفاع عدد الضحايا من الأطفال، ولا يزال موضوع نقاش في وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان والأوساط القانونية الدولية. وقد عُقد اجتماعٌ حديثٌ لقضاة محكمة العدل الدولية بهدف دراسة الأبعاد القانونية لهذه الجريمة.
السجل الإجرامي لواشنطن
مع ذلك، لا تقتصر جرائم الولايات المتحدة على الهجوم على مدرسة ابتدائية في سيستان في الأيام الأولى للعدوان على إيران، بل خلّفت الولايات المتحدة سجلًا حافلًا بالجرائم في المنطقة:
1. تعذيب السجناء في سجن أبو غريب، العراق (2003-2004)
تُعدّ فضيحة سجن أبو غريب من أشهر حالات انتهاكات حقوق الإنسان في حرب العراق. وقد أثار نشر صور السجناء العراقيين الذين تعرضوا للإذلال والتعذيب والإيذاء الجسدي والنفسي على أيدي الجنود الأمريكيين موجةً من الإدانات العالمية. أكد التحقيق العسكري الأمريكي وقوع الانتهاكات، وحُكم على عدد من الجنود بالسجن، لكن المنتقدين يرون أن مسؤولين رفيعي المستوى لم يُحاكموا.
2. مجزرة حديثة في العراق (2005)
في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، وبعد مقتل جندي من مشاة البحرية الأمريكية بانفجار عبوة ناسفة على جانب الطريق، دخلت القوات الأمريكية مدينة حديثة. وخلال هذه العملية، قُتل 24 مدنياً عراقياً، بينهم نساء وأطفال. أصبحت هذه الحادثة واحدة من أكبر التحقيقات الجنائية التي أجراها الجيش الأمريكي في حرب العراق. ورغم توجيه الاتهام لعدد من الجنود، أُسقطت معظم التهم لاحقاً، ولم يصدر سوى حكم إدانة واحد محدود.
3. مجزرة ساحة النصر في بغداد (2007)
في سبتمبر/أيلول 2007، أطلقت شركة الأمن الخاصة "بلاك ووتر"، المتعاقدة مع الحكومة الأمريكية، النار على السيارات والمشاة في ساحة النصر ببغداد، ما أسفر عن مقتل 17 مدنياً. أثارت الحادثة غضباً واسعاً في العراق. أُدين عدد من موظفي شركة بلاك ووتر في محاكم أمريكية، لكن دونالد ترامب أصدر لاحقًا عفوًا عن بعضهم، وهي خطوة لاقت انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان.
4. الهجوم على مستشفى أطباء بلا حدود في قندوز، أفغانستان (2015)
في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2015، استهدفت طائرة أمريكية من طراز AC-130 مستشفىً تابعًا لمنظمة أطباء بلا حدود في مدينة قندوز الأفغانية. أسفر الهجوم عن مقتل 42 مريضًا وعاملًا في المستشفى. أعلن الجيش الأمريكي أن الهجوم كان نتيجةً لمزيج من الأخطاء البشرية والاستخباراتية، وأنه يُعد انتهاكًا لقوانين الاشتباك، لكنه نفى وجود أي نية لاستهداف المستشفى. مع ذلك، دعت منظمات حقوق الإنسان إلى إجراء تحقيق مستقل في احتمالية وقوع جرائم حرب.
5. مذبحة المدنيين في منطقة ميوند بأفغانستان (2010)
في عام ٢٠١٠، اتُهمت مجموعة من الجنود الأمريكيين، تُعرف باسم "فريق القتل"، في مديرية ميوند بولاية قندهار، بقتل عدد من المدنيين الأفغان عمدًا، ثم تقديم الضحايا على أنهم مسلحون لتزييف مسرح الجريمة. كما التقط بعض أفراد المجموعة صورًا تذكارية مع جثث الضحايا. وقد رافقت هذه القضية إدانة عدد من الجنود الأمريكيين، لتصبح واحدة من أكثر فضائح الحرب الأفغانية صدمة.
٦. غارات الطائرات الأمريكية بدون طيار في اليمن
منذ عام ٢٠٠٢، ولا سيما بعد عام ٢٠٠٩، نفّذت الولايات المتحدة مئات الغارات في اليمن. ورغم أن واشنطن أعلنت أن هدف هذه الغارات هو مكافحة الإرهاب، فقد أفادت منظمات حقوق الإنسان مرارًا وتكرارًا بأن العديد منها أسفر عن مقتل مدنيين، بمن فيهم نساء وأطفال. ويُعدّ الهجوم على حفل زفاف في ولاية البيضاء عام ٢٠١٣، إلى جانب عدة هجمات أخرى، من بين الحالات التي وُجّهت إليها انتقادات حادة من قِبل منظمات حقوق الإنسان بسبب الخسائر في صفوف المدنيين، وقد طُرحت دعوات لإجراء تحقيقات مستقلة في مدى الالتزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني.
